أحمد بن محمد ابن عربشاه

172

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وفي وقت المصيف تخرج من ذلك المنزل اللطيف إلى جهة البستان فتتمشى بين الغدران ، وتترقى إلى أعلى الأغصان وتتمرغ في المروج والرياض ، وتتبختر في ظلال الدوح والغياض ، ثم تعود إلى وكرها وتأرز « 1 » إلى جحرها ، وكان عيشها هنيا وأمرها رضيا ومضى على ذلك دهرها وانقضى في أرغد غيش أمرها . ففي بعض الأحيان خرجت على العادة للتنزه في البستان فمر بسكنها أفعوان « 2 » فرأى مكانا مكينا وسكنا حصينا بالأطعمة محفوفا وبطيب الأغذية مكنوفا ، فدخله واستوطنه وترك ما سواه من الأمكنة . فلما رجعت الفأرة إلى مكانها المألوف وجدت به العدو الظالم العسوف « 3 » فأحاط بها من الأمر ما يحصل من الذئب إذا عانق الخروف ، فأسرعت إلى أمها وشكت إليها نوائب غمها وما دهمها من نوازل همها . فقالت أمها : لا شك أنك ظلمت أحدا ، أو وضعت على ما ليس لك يدا أو تعديت الحدود ، أو عاملت مغرما بالصدود ، فجوزيت بإخراجك من وطنك وإبعادك عن مقرك وسكنك ، ومن ظلم ضعيفا عاجزا سلط الله عليه قويا لاكزا « 4 » ، وقد رأيت يا أنسى في حديث قدسي : « اشتد غضبى على من ظلم من لا يجد له ناصرا غيرى » « 5 » . فلا تطيلى الكلام ولا تتصورى أنك ترجعين إلى مالك من مقام ، ولا طاقة لك على مقاومة الثعبان ، فدعى تعب الخاطر واطلبى لك مأوى غير هذا المكان . فتوجهت إلى ملك الفأر والجرذان وشكت ما بها من ذلك الشيطان ، وقالت : أنا في خدمتك ومعدودة من رعيتك

--> ( 1 ) ترجع وتعود . ( 2 ) ثعبان كبير شديد السم . ( 3 ) الطاغية . ( 4 ) ضاربا ( 5 ) حديث قدسي ذكره المتقى الهندي في كتابه كنز العمال ( 7605 ) وعزاه للديلمي في مسند الفردوس عن علي رضى اللّه عنه .